أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
83
نثر الدر في المحاضرات
عليّ ، وادخار الشكر لديّ ، ومتقربا به إلى سيّدي أمير المؤمنين ، فرأيك في الامتنان عليّ بقبولها موفّقا إن شاء اللّه . فلما قرأ الكتاب أنفذه إلى المعتصم ، فوقّع فيه : ضيم فصبر ، وسلب فعذر ، فليقابل بالشكر على صبره ، وبالإحسان على عذره . وتردّ عليه ضياعه ، ويرفع عنه خراجه . ولا أؤامر فيه إن شاء اللّه . قال كاتب العباس بن المأمون : لما تقلّد المعتصم الخلافة عرضت له ، فترجّلت ، فلما بصر بي ، قال : هذا المجلس الذي لم تزل أكره الناس بحلولي به . قال : فتحيرت ، ولم أدر ما أقول ، ثم عنّ لي أن قلت : يا أمير المؤمنين ؛ أنت تعفو عمّا تتيقّنه ، فكيف تعاقب على ما تتوهمه ؟ قال : فقال : لو أردت عقابك لتركت عتابك . وكان سبب خروجه إلى « سرّ من رأى » أنّ غلمان الأتراك . كثروا ببغداد فتولّعوا بحرم الناس وأولادهم ، فاجتمع إليه جماعة منهم ؛ فقالوا : يا أمير المؤمنين ؛ ما أحد أحبّ إلينا مجاورة منك ؛ لأنك الإمام والمحامي عن الدّين ، وقد أفرط غلمانك ، فإما منعتهم منّا ، وإما نقلتهم عنّا . فقال : نقلهم لا يكون إلا بنقلي ، ولكني أفتقدهم ، وأزيل ما شكوتم . فنطر فإذا الأمر قد زاد وعظم ، وخاف أن يقع بينهم حرب ، وعاودوه بالشكوى ، وقالوا : إن قدرت على نصفتنا ، وإلّا فتحول عنا . فقال : أتحوّل وكرامة فرحل إلى سرّ من رأى ، واتخذها دارا . وكان يقول : الفضل بن مروان عصى اللّه - عزّ وجلّ - وأطاعني ، فسلّطني اللّه عليه . وذكر أنه كان معه غلام في الكتّاب يتعلم معه ، فمات الغلام ، فقال له الرشيد : يا محمد ؛ مات غلامك . قال : نعم يا سيدي ، واستراح من الكتّاب فقال الرشيد : وإن الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ ، دعوه إلى حيث انتهى ، ولا تعلّموه شيئا ؛ فكان يكتب كتابا ضعيفا ، ويقرأ قراءة ضعيفة . حكي عن الفضل بن مروان أنه قال : واللّه لقد كان المعتصم مؤيدا من عند اللّه في أموره كلّها ؛ لقد رجع يوما من محاربة الروم ، وقد سهر ليلته وبقي